مصطفى صادق الرافعي
37
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
عليه مرتين « 1 » ، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسن . فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنّها رغبة عنها ، ومن قرأ عليّ شيء من هذه الحروف فلا يدعنّه رغبة عنه ، فإنه من جحد بآية جحد به كله . هذا حين كان الاختلاف مما تقضيه الفطرة اللغوية ومذاهبها ، فلما انتفضت هذه الفطرة ، واختبلت الألسنة بعد اتساع الفتوح ، وانسياح العرب في الأقطار ، ومخالطتهم الأعاجم - لم يعد لذلك الاختلاف وجه يتصل بحكمة من الرأي ، بل صار كأنه دربة لإفساد هذا الأمر واختلاف المادة نفسها على وجه ينكر من حقيقتها بما يضيف إليها أو يخلط بها أو يغيّر منها ، وإلى هذا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين عرض عليه القرآن العرضة الأخيرة ، وما كان يعلم أنها الأخيرة لولا ما علّمه اللّه ، فاختار قراءة زيد بن ثابت صاحب هذه العرضة ، وبها كان يقرأ وكان يصلي إلى أن انتقل إلى جوار ربه . ومن ثم اختارها المسلمون بعده وكتبوا القرآن عليها زمن أبي بكر كما مر ، ثم تركوا للناس أسانيدهم ، إذ كانت الفطرة سليمة بعد . فلما كانت الطّيرة والاختلاف لعهد عثمان ، وأشفقوا من الضلال في معاسف الرأي ومعانيه ، حملوا الناس عليها حملا وكتبوا بها المصاحف كما تقدم « 2 » . القراء يرجع عهد القراء الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة رضي اللّه عنهم ، فقد اشتهر بالإقراء منهم سبعة : عثمان ، وعلي ، وأبي ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وأبو الدّرداء ، وأبو موسى الأشعري ؛ وعنهم أخذ كثير من الصحابة والتابعين في الأمصار ، وكلهم يسند إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فلما كانت أواخر عهد التابعين في المائة الأولى تجرد قوم واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية ، لما رأوا من المساس إلى ذلك بعد اضطراب السّلائق ، وجعلوها علما ، كما فعلوا يومئذ بالحديث والتفسير ، فكانوا فيها الأئمة الذين يرحل إليهم ويؤخذ عنهم ؛ ثم اشتهر منهم ومن الطبقة التي تلتهم أولئك الأئمة السبعة الذين تنسب إليهم القراءات إلى اليوم ، وهم : أبو عمرو بن العلاء شيخ الرّواة المتوفّى سنة 154 ه - ، وعبد اللّه بن كثير المتوفى سنة 120 ه - ،
--> ( 1 ) تأمل حكمة عرضه مرتين في سنة وفاته صلّى اللّه عليه وسلم على خلاف ما كان قبلها لتعلم أنه أمر من أمر اللّه ، وكأن العرضة الزائدة كانت عرضة التاريخ إلى آخر الدنيا . ( 2 ) تجد في كتاب ( حجج النبوة ) للجاحظ كلاما حسنا في الاحتجاج لجمع الناس على قراءة زيد دون غيره ، ولو أنت فكرت قليلا في عمل أهل التاريخ للتاريخ به لظهر لك من وجوه الحكمة أكثر مما ظهر للجاحظ .